السيد محمد تقي المدرسي

454

من هدى القرآن

والذين ينكرون القيادة الإلهية منحرفون ، وعليهم أن يشككوا في إيمانهم ، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقاً لخضعوا لمن وضعه الله عليهم ، ولبرمجوا حياتهم حسب ما أمر الله ، لا حسب الالتزام بالماضي ، فالأصالة جيدة ولكن ليس على حساب الإبداع في حدود موضوعية حقة . [ 26 ] قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ إن اطمئنان الرسول بحتمية نصره ، وتأييده من قبل الله هو الذي يدفعه نحو هذا الدعاء ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الإيمان المطلق بالله لدى الرسل والأنبياء والأولياء . [ 27 ] حينما أحسَّ نوح من قومه الكفر والجحود ، طلب من الله النصر ليتبين لهم أنه بالفعل يمثل الولاية الإلهية ، فجاءه النصر ، وهذا يدل على أنه كلما ازدادت الضغوط على الرسالي وهو يؤدي مسؤوليته في الإصلاح كلما قرب النصر ، ونصر الله قريب ممن لم تنصره العوامل الذاتية ، والمادية شرط أن يبذل قصارى جهده . إن نصر الله لا يأتي دائماً على هيئة صيحات وزلازل ، بل يجري قسم منه على يد المؤمنين ، أولم يكن الرب الذي أمر السماء والأرض أن تتفجر طوفاناً هائلًا في لحظات بقادر على أن يخلق لنوح سفينة ، ثم يأمره بالصعود ؟ بلى ؛ ولكنه أراد أن يشارك هو في نجاة نفسه ومن آمن معه . وفي الأحاديث أنه بعد أن دعا نوح ربه جاءه جبرائيل بنواة تمر ، وقال له : نجاتك في هذه ، ازرعها ، فزرعها حتى صارت نخلًا ، وبعد ثلاثين سنة أمره أن يأكل الثمر ويزرع النوى ، وهكذا مرة ثانية ، ثم أمره أن يقطع جذوع النخل ويصنع السفينة ، وعندما بدأ بصنعها كان الله يرعاه بعلمه ، وقدرته ، وكان قومه يستهزئون به عندما يمرون عليه ، لأنه كان يصنع السفينة في بلاد لا بحر فيها . فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا نحن قريبون منك ننظر إليك ، ونساعدك . وأما قولنا : تحت عين الله فيعني تحت رعايته وظله ، أما الوحي : فإشارة إلى العلم والمعرفة التي زود الله بها نوحاً عليه السلام . فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ روي في نور الثقلين : [ إنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور من التنور ، فاركب أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء أخبرته امرأته فركب ] « 1 » . ولعلَّ التنور كان يوضع في مكان مرتفع ، فإذا فار ماء دلَّ على أن أمراً خارقاً للقوانين

--> ( 1 ) نور الثقلين : ج 3 ص 543 .